أبي منصور الماتريدي
361
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أي : مجيب الدعاء . وقوله : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ . دل هذا أن المحراب هو موضع الصلاة « 1 » . أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى . فيه دلالة لقول أصحابنا - رحمهم اللّه - أن الرجل إذا حلف ألا يبشر فلانا فأرسل إليه غيره يبشره - حنث في يمينه « 2 » ؛ لأنه هو البشير ، وإن كان المؤدي غيره ؛ ألا ترى أن البشارة - هاهنا - أضيفت إلى اللّه - تعالى - فكان هو البشير ؛ فكذلك هذا . وقوله : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ . بِكَلِمَةٍ قيل : عيسى - عليه السلام - كان بكلمة من اللّه « 3 » ، فيحيى صدّقه برسالته . وقيل : أول من صدق عيسى - يحيى بن زكريا « 4 » ، ولهذا وقع على النصارى شبهه ؛ حيث قالوا : عيسى ابن اللّه ، بقوله : بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ، وَرُوحٌ مِنْهُ [ النساء : 171 ] ظنوا أنه في معنى « فيه » ؛ لكن ذلك إنما يذكر إكراما لهم وإجلالا ، ولا يوجب ذلك ما قالوا ؛ ألا ترى أن اللّه - عزّ وجل - قال : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] ونحو ذلك ، لم يكن فيه أن النعمة منه في شيء ؛ فعلى ذلك الأول « 5 » . وقوله : وَسَيِّداً : قيل : سيّدا في العلم والعبادة « 6 » . وقيل : السيّد : الحكيم هاهنا « 7 » .
--> ( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 37 ) وعزاه إلى ابن المنذر عن السدي . ( 2 ) ينظر : الفتاوى الهندية للجنة من العلماء برئاسة نظام الدين البلخي ( 2 / 103 ) ، وفتح القدير للكمال ابن الهمام ( 5 / 144 ) ، البحر الرائق لابن نجيم ( 4 / 362 ) ، رد المحتار ( 3 / 792 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري ( 6 / 373 ) ( 6961 ) ، وابن أبي حاتم ( 2 / 235 ) ( 459 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 38 ) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر . وأخرجه الطبري ( 6951 ) عن مجاهد ، وبرقم ( 6965 ) عن الحسن ، وبرقم ( 6956 ) عن قتادة . وينظر : « الدر المنثور » ( 2 / 38 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري ( 6960 ) عن الضحاك ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 38 ) وزاد نسبته إلى ابن المنذر . ( 5 ) وقال أبو عبيد : معنى بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ : بكتاب من اللّه . والعرب تقول : أنشدني كلمة : أي قصيدة . ينظر : تفسير القرطبي ( 4 / 29 ) ، ثم قال القرطبي معقبا : وقيل غير هذا من الأقوال ، والقول الأول أشهر ، وعليه من العلماء الأكثر . ( 6 ) أخرجه الطبري ( 6 / 374 ) ( 6966 ، 6967 ) عن قتادة . ( 7 ) الذي روي عن ابن عباس وغيره : حليما تقيا . أخرجه الطبري ( 6 / 376 ) ( 6978 ) ، وابن أبي حاتم -